محمد جواد مغنية
11
التفسير الكاشف
( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وعُيُونٍ وزُرُوعٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ ونَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ ) . كان آل فرعون في ألذ مطعم ومشرب ، لهم السلطان والقصور والأنهار والثمار ، فأرسل اللَّه إليهم موسى يدعوهم إلى العدل وعدم الفساد في الأرض ، فلم يستجيبوا لداعي اللَّه ، فأهلكهم وأورث ما كانوا فيه لقوم لا يمتون إليهم بسبب ولا نسب . . . قال الشيخ المراغي عند تفسير هذه الآية : « تغلب على مصر الآشوريون والبابليون حينا ، والحبش حينا آخر ، ثم الفرس مدة واليونان أخرى ، ثم الرومان من بعدهم ، ثم العرب ثم الطولونيون والأخشيديون والفاطميون والأيوبيون والمماليك والترك والفرنسيون والانكليز ، وها نحن أولاء نجاهد لنحظى بخروجهم من ديارنا ، ونتمكن من استقلال بلادنا » . وكان هذا الشيخ في عهد الملك فاروق بن فؤاد ، ونعطف على قوله والآن يحتل الصهاينة سيناء والضفة الشرقية من قناة السويس بمعونة الولايات المتحدة قائدة الاستعمار الجديد ، والمصريون يجاهدون ويقاتلون ليخرجوا المعتدين من أرضهم . . . وهكذا الحياة جهاد ونضال ، ولأن يستشهد الإنسان والبندقية في يده ، يدافع بها عن وطنه وكرامته ، خير من أن يعيش عيش الذل والهوان . ( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ والأَرْضُ ) . هذا كناية عن عدم الاهتمام بآل فرعون حين أغرقهم اللَّه في اليم ( وما كانُوا مُنْظَرِينَ ) بل عجل سبحانه لهم الهلاك في الدنيا ( ولَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ ) وهو قتل أبنائهم واستخدام نسائهم وبناتهم وتسخير رجالهم في أشق الأعمال ( مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ ) الذين تجاوزوا كل حد في الفساد والطغيان والتعالي والتعاظم . ( ولَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ ) . وصف سبحانه بني إسرائيل في كتابه بأقبح الأوصاف ، وسجل عليهم أعظم الجرائم كالغدر والاحتيال والتمرد على الحق وأكل المال بالباطل ، ووصفهم بالكفر والظلم ، ولعنهم في العديد من الآيات ، وهددهم بأشد العقوبات . . . ومن هنا أجمع المفسرون على أن المراد بالعالمين في هذه الآية وأخواتها ان اللَّه فضل الإسرائيليين على العالمين في زمانهم ، لا في كل زمان . . . وقلنا في ج 1 ص 95 : ان اللَّه فضلهم على أهل ذاك الزمان من جهة واحدة فقط ، وهي ان اللَّه أرسل منهم العديد من الأنبياء .